محمد جواد مغنية
278
في ظلال نهج البلاغة
الإعراب : الذي بطن ، صفة للَّه . ويطلع من اطلع بسكون الطاء لا بتشديدها ، ولا من طالع ، ولهذا تعدى الفعل إلى المفعول ، وهو العقول . للمنبر - في عظمته تعالى : من أراد أن يعرف عظمة اللَّه وجلاله ، وعلوه وكماله فليقرأ كلمات أهل البيت ( ع ) وأحاديثهم في هذا الموضوع ، فهم الأبواب والخزنة لعلم الكتاب والسنة ، فلا إغلاق في تعبيرهم ، ولا إفراط في تفكيرهم . . أبدا لا شيء في أقوالهم الا ما يحسه القلب ، ويستسيغه العقل بمجرد سماعه أو قراءته حتى كأنها تترجم عن إحساس الانسان ومداركه . . والمقطع الذي نحن بصدده هو في تنزيه الباري وتمجيده ، ويتضمن الحقائق التالية : 1 - ( الحمد للَّه الذي بطن خفيات الأمور ) . فهو سبحانه يعلم الأشياء من باطنها وأعماقها ، ومن جميع جهاتها تماما كما هي في واقعها وحقيقتها منذ وجدت وفي شتى شؤونها وأطوارها . . وعلمه ، جل ذكره . بالأشياء بعد وجودها هو بالذات علمه قبل أن توجد ، لا تبديل فيه ولا تعديل . 2 - ( ودلت عليه أعلام الظهور ) أي آثاره سبحانه في أقطار الأرض والسماوات . . ووجه الدلالة فيها انها تخضع في طباعها وأوضاعها لنظام لا تعدوه ، وقانون لا تتجاوزه . فالشمس - مثلا - تبعد عن الأرض بنسبة معينة ، وكذلك الكواكب بعضها عن بعض ، ومثلها الضوء والحرارة والضغط والجاذبية . . لكل منها ومن غيرها مقدار معين ، وصدق اللَّه ، جلت حكمته : * ( وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَه بِمِقْدارٍ ) * - 8 الرعد . وقال بعض علماء الطبيعة : ان هذا النظام المبثوث في كل شيء يستحيل أن يكون من عمل الطبيعة العمياء وآثارها ، أو من الصدفة ، أو ان النظام نفسه قد استقل بإيجاد نفسه ، وإذن لا بد لوجوده من سبب غير طبيعي ، وأيضا لا بد أن يكون هذا السبب حكيما عليما ، وقادرا كي يستطيع أن يوجد الكون بحكمته ونظامه . 3 - ( وامتنع على عين البصير ) . ولو رأته لكان جسما ، والجسم يفتقر إلى حيز بحكم العيان ، واللَّه في غنى عن كل شيء ، وإليه يفتقر كل شيء ( فلا